نشرت جريدة القدس العربي بتاريخ 19/10/2006 مقالا بعنوان : "مرسلو الإس إم إس يدفعون للفضائيات ويشترون الوهم"، و نظرا لأهمية الموضوع ارتأيت إعادة إدراجه في هذه المساحة لكي تعم الفائدة .
أمام غياب شبه كامل، لصناديق الاقتراع والعمل السياسي وحقوق التعبيرعن الرأي والجمعيات الأهلية والنشاطات المدنية علي الأرض العربية، يتولي الفضاء الخارجي والأقمار الصناعية، مهمة خلق عالم افتراضي لإبداء الرأي وممارسة الحقوق الطبيعة للبشر من تصويت وانتخاب وإدلاء الرأي والتعبير بكل الوسائط والوسائل المتاحة.
وفي ظل تواطؤ بين الاستثمارات السريعة الربح والحكومات المتغاضية مع وجود المناطق الإعلامية الحرة الرخيصة التكلفة، نمت المحطات التلفزيونية التجارية كطفيليات لتدخل البيوت، فارضة مفاهيم جديدة للرأي العام، مستفيدة مما يسمي بثورة الاتصالات ولكن علي الطريقة العربية.
السم بلا دسم
لا تحتاج الفضائيات التجارية إلي طواقم محترفة للعمل، فأي فكرة مسبقة الصنع يمكن لها أن تجذب المشاهدين، فيكتفي البعض بالكليبات والأغاني، ويحاول البعض إنتاج برامج بمضامين تنافسية، تعرض ضمن حيز ضيق لا يتعدي نصف الشاشة ويخصص النصف الأخر لنصب الأفخاخ والإعلان عنها ويفرد الجزء الأسفل من الشاشة لممارسة المحادثات وتبادل السلامات. كل ذلك تحت أشراف مسؤول مدرب في غرفة التحكم، يدخل بأسماء مستعارة يحرض المتصلين ويتواصل معهم كأنه واحد منهم وغالبا ما يدخل بألقاب أنوثية مثيرة للشهية.
حمى المسابقات
مسابقات لكل شيء، لأجمل صوت، وأروع ثوب، ألذ طبخة وأطرف نكتة، والنتيجة أطول أذنين وفواتير من العيار الثقيل في آخرالشهر.
رسالة بثلاث دولارات تمنح مستخدمها اسما مستعارا يدخل به عالما كل شيء به غير واقعي، ما عدا الهدر الحتمي للوقت والمال ليتبين أنهما لا يشكلان مشكلة لدي هذاالنوع من المشاهدين. المتحاورون يتبادلون الأشواق والمواعيد الافتراضية،متخاصمين أحيانا متحابين أحايين. فـ قيصر الحب يمسّي علي بنت البادية و أحلى عيون تبحث عن حب صادق و عاشق الغسق يرسل تنهيدات لا تنتهي أما المطلقة اليائسة لاتجد من تثق به، ليسارع "البدوي المتحضر مؤكدا خطأ رأيها، يرد خفاش الليل بسلام على الحلوين بينما ينشغل خربوش اليم بإضحاك الأرملة الحزينة يدخل دودي المهضوم علىالخط، يتأهب سم العقرب للمنازلة يغادر راعي لاندكروزر مسلما علي الجميع داعيهم لتهدئة. يتدخل المشرف تحت اسم حبيب الكل طالبا انتخاب سيد الشاشة أو ملك التشات تتسارع أسماء جديدة للحلبة، ينتصر التنبل المفلس يوضع اسمه الافتراضي علي قائمةالشرف لمدة أسبوع. ويصل الأمر بأن يتصل أحد المشاهدين طالبا إعادة الكليب الذي أذيع قبل قليل مهددا بإيقافه لإرسال الرسائل في حال عدم الاستجابة، لتسارع المحطة بتلبية طلبه معيدة نفس الكليب عدة مرات، فالزبون دسم ويدفع ما يزيد عن ثلاثمائة دولار يوميا.
ضحايا الفضائيات
مسابقات للغناء وأخري للأزياء، مسابقات لنجوم الطرب، أو لنيازك الرقص وتتوالي الرسائل النصية على الأرقام، يتحمس الجميع لمطرب شاب أو لعارضة ممشوقة، تنطلي الحيلة علي الجميع، يستجمع أهل المشاركين وأصدقائهم ذاكرتهم يطلبون العون والمعونة من الأقارب و الأباعد، لتصل حصيلة إحدى العائلات بفواتير تناهز المليون درهم ويخرج أبنهم الموهوب من الدور الأول.
المنسق ومراقب المحادثات، لا يتورعون بابتكار وسائل الجذب ونصب الأفخاخ للناس، ويتباهى أحد المنسقين، أنه استطاع إدخال خمسة وعشرين مليون درهم خلال أسبوع واحد لأحدى الفضائيات، عبر دعوة وجهها للمشاهدين للتصويت لملك التشات ثم ليتدخل محرضا النعرات القبيلة العشائرية متقمصا ألقاب القبائل والعشائر، تصل الدعوات بسرعة فيبادر الأشاوس للذود عن حمي العشيرة والقبيلة والطائفة تنهال الرسائل النصية من هنا وهناك، بينما يفرك صاحب المحطة يديه راضيا يوزع الغنائم، علي الشركات المزودة للخدمة وشركات الاتصالات، ويفتح بالباقي محطة جديدة تدر أرباحا طائلة بأيسرالسبل.
لوثة وحمي الإس إم إس، لم تقتصر على المحطات التجارية، بل طالت بعض المحطات المعروفة، إذا خصصت الهزيع المتبقي من الليل للمحادثة والرسائل النصية وألعاب الذكاء، بصحبة مذيعة أو عروض فيديو كليب ملتهبة، لتأخذ حصتها من كعكة الإس إم إس دون أي جهد يذكر، ولم تقاوم بعض المحطات الدينية إغراء العائدات، فابتكرت لمشاهديها مواضيع على مقاس مشاعرهم عبر سماحها لهم ببعث نفحات الإيمان من خلال الرسائل النصية، محافظة على جديتها ورزانتها، لكن بنفس التسعيرة الموجودة على باقي المحطات. ونتيجة عدم إلمام الرقيب باللهجات المحلية للدول العربية يتمكن المشاهدين الكرام من تمرير عبارات سوقية من العيار الثقيل أو كلمات استهزاء والسخرية من الطوائف والشيع والقبائل فكادت إحدى هذه المراسلات لأن تتسبب بمشكلة حقيقة في إحدى الدول العربية، تم تدخل على مستوي وزير لحلها.
بين جمهور مستهترسهل القيادة سريع العطب وبين محطات تلفزيونية لا تمت للأعلام بصلة يتواصل هدرالمزيد من الوقت والمال والجهد العربي في شراء الوهم وإفلاس العقل الروح.
كتبها سعيد دخمى في 12:31 صباحاً ::
5 تعليقات
في27,تشرين الثاني,2006 - 08:19 مساءً, المصطفى اسعد كتبها ...
موضوع قيم....
ولكن مررت للسؤال عليك وعن صحتك لأنك لم تعد تمر بمدونتي أتمنى خير
وفقك الله ورعاك ولك مني كل الود يا أخي وصديقي الغالي
في29,تشرين الثاني,2006 - 11:55 مساءً, اتحاد تدوين بلا حدود - المدونة العامة كتبها ...
الصديق العزيز سعيد:
مرحبا بعودتك المباركة و مقالاتك الرصينة المظفرة. و الموضوع الذي حللته يعرض أهمية تحتاج الى انتباه و دراسة جماهيرية واسعة. فالجمهور هو المستهدف الاساسي و هو الذي يمكن أن يصنع الاصلاح.
هشام برجاوي باسم أعضاء:"اتحاد تدوين بلا حدود".
في03,كانون الأول,2006 - 05:59 صباحاً, سعيد دخمى كتبها ...
أخي المصطفى اسعد، شكرا على تفقدك لأحوالي و اثمن شعورك النبيل، حقيقة من اسبوعين و انا غائب عن عالم التدوين و حتى علبة الرسائل لا أجد وقتا لمعرفة ما بداخلها. على العموم الكل على ما يرام باستثناء مشاغل و ظروف العمل الجديد.
أتمنى دوام التواصل بيننا و لك مني كل الإحترام و التقدير.
في03,كانون الأول,2006 - 06:16 صباحاً, سعيد دخمى كتبها ...
أخي هشام، بارك الله في المجهودات التي تبدلها للنهوض بقضايا هذه الأمة كما أعبر لك عن أسفي عن التأخير في التعليق أو حتى التوقيع بالتحية.
شكرا أخي على مرورك الكريم.
في03,كانون الأول,2006 - 06:25 صباحاً, سعيد دخمى كتبها ...
للتوضيح فقط أخي هشام، أنا لم آتي بشيء من عندي فالموضوع منقول عن جريدة
القدس العربي بتاريخ 19/10/2006
و نظرا لأهمية الموضوع و الطريقة التي تم تناوله بها، ارتايت إعادة نشره للفائدة..
الاسم: سعيد دخمى








