الصوت الحر ...

مدونة عربية هادفة تهتم بالقضايا الإجتماعية و السياسية و الدينية و الفكرية في الوطن العربي...

الخميس,تشرين الأول 19, 2006


يأتي هذا المقال في سياق الحملات العدائية التي تستهدف رسالة الإسلام و نبيها محمد صلى الله عليه و سلم، و لقد ارتأيت الرد على بعض شبهات المشككين من خلال عدة إدراجات في هذه المدونة آملا أن أوفق في هذه الردود و أن أساهم في فتح فضاء للحوار مع إخواني المدونين في هذا الباب.
يعد تعريف العقل وحدوده هما مناط الخلاف الحقيقي بين العلمانيين والإسلاميين في ساحاتنا الثقافية اليوم، و يشكل هذا الخلاف حول العقل وطبيعته والمفاهيم وماهيتها أحد مباحث الفلسفة الغربية عبر تاريخها. و ساهم في هذه الحركة الموقف الهش للديانة المسيحية في القرون الوسطى و ما تلاها نتيجة للحروب و الجرائم و الانتهاكات التي تمت في أوروبا باسم الدين ولم يقف الأمر عند العلماء فحتى الأدباء أعلنوا وفاة فكرة الدين و الخالق.. ولست هنا بصدد التذكير بهذه الحقبة السوداء من تاريخ أوربا و التي اخذ مفكروها حيثياتها و ما تسببت فيه الكنيسة من مآسي و أخطاء ذريعة لمواجهة المسيحية و الدين بشكل عام من خلال كتابات الفلاسفة و منظري عصر النهضة و التي استمرت سجالاتها  إلى يومنا هذا.. ذلكّ أنّ طموح العقليين وهوسهم في أوروبا جعلهم يخضعون كل شيء للعقل، وتحميله فوق ما يحتمل وتكليفه بخوض أمور ليست من شأنه أن يخوضها، ممّا أوقعهم في متاهات فكرية لا طائل تحتها.
و إذا كان هناك عذر ما لوجود العلمانية في الغرب فليس هناك أي عذر لوجودها في بلاد المسلمين لأن النصراني إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيراً ولا قليلاً لأنه لا يعطل قانوناً فرضه عليه دينه وليس في دينه ما يعتبر منهجاً للحياة، أما مع المسلم فالأمر مختلف حيث يوجب عليه إيمانه الاحتكام إلى شرع الله.
و إذا عدنا إلى تعاليم الإسلام نجده يدعو إلى العلم ويوجبه على كلّ مسلم أن يتعلّم ما افترضه الله عليه ويتعلم أحكام ما يحتاج إليه من العبادات والمعاملات وأما العلوم الدنيوية كالطبّ والهندسة والزراعة وغيرها فيجب على المسلمين أن يتعلّموا منها ما تحتاج إليه الأمّة. و إن أفضل ما يطلب في هذه الدنيا هو العلم وكفانا أن نعلم أن الله تبارك وتعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه و سلم  بطلب الازدياد من شئ إلا من العلم فقال له سبحانه وتعالى: (وقل ربى زدني علماً).
و الإسلام أمر بتفعيل العقل في قول الله الحكيم ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)،فالإسلام دين لم يهمّش التفكير و لم يأمر بالخضوع و التبعيّة الفكرية، فلكل إنسانطريقته في التفكير التي تتناسب مع قناعاته الخاصة، و لقد نأى الإسلام الحنيف بالعقل المسلم عن أشكال التقليد الأعمى، والتحجّر البغيض، وحال بينه وبين الخرافات والشعوذة وأعلن حربه وشجبه للمعطِّلين عقولهم عن التفكير الحرّ، كما هاجم أسرى التقاليد المنحرفة، وعاب على المتحجّرين جمودهم.
قال تعالى في كتابه العزيز:
(قالوا: بَل نتَّبعُ ما ألفَيْنا آباءَنا أوَ لو كانَ آباؤهُم لا يعقِلونَ شيئاً ولا يَهتَدون ).
(إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ، وإنَّ الظَّنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً ).
(وَلَقَد أضَلَّ مِنكُم جبِلاًّ كثيراً أفَلَمْ تَكونوا تَعقِلون ).
و اعتبر الإسلام العقل مناط التكليف فمن لا عقل له فهو غير مكلف، فكيف يمكن أن يقال بأن الإسلام أنقص أو أغفل أو جافى أو جانب أو قلل من أهمية التكليف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يشبَّ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق). فالعقل من شروط التكليف في الإسلام، والحكمة ضالة المسلم حيثما وجدها كان أولى بها، والقرآن نوّه بأولي الألباب الذين يفكرون ويتدبّرون ويعلمون ويعملون. كما دعا الإسلام إلى استخدام العقل و تحصيل العلم ونشر المعارف.
وضمن عملية الاهتمام بالقوى العقلية لدى الإنسان حدّد الإسلام الحـنيف مهامّ العقل الأساسية، وأوضح مساحة دائرة الصلاحيات الممنوحة له، والحقول التي يجوز له التحرّك خلالها، وبذلك استطاع الإسلام أن يجنِّب عقل المسلم من ارتياد عوالم ومجالات يضلُّ ويزيغ بارتيادها. فمن حقول المعرفة ما يتمّ حصوله من خلال الملاحظة والتجربة واستعمال الحواسّ الخمسة، ككثير من حقول المعرفة الطبيعية في الأرض والسماء والنبات والحيوان والإنسان وما إلى ذلك.
و من المعرفة ما لا يمكن الحصول عليه إلاّ من خلال الوحي المقدس، و الإلهام والتسديد، كمعارف التشريع الإلهي، ومبادئ الرسالات والعلوم الإلهية التي يتلقاها الأنبياء، الأمر الذي لا يتسنّى للعقل ولا للتجارب العملية أن ترتاده..
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة: "إن المقابلة بين “العقل” و”النقل” هي في حقيقة الأمر أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التي تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية، حيث جاءت عقلانيتها فيعصر النهضة والتنوير الوضعي العلماني ثورة على النقل اللاعقلاني ونقضاً له. أما في الإسلام والمسيرة الفكرية لحضارته، وأمته وخاصة في عصر الازدهار و الإبداع فإن النقل لم يكن أبدا مقابلا للعقل، لأن المقابل للعقل هو الجنون وليس النقل، ولأن النقل الإسلامي والمتمثل أساساً في القرآن الكريم هو مصدر العقلانيةالمؤمنة والباعث عليها، والداعي لاستخدام العقل والتفكر والتدبر في آيات الله المنظورة و المسطورة جميعاً"...
و في شريعتنا الغراء أمور جلية وأمورغيبية و من لوازم الدين ومحكماته إيماننا بالغيب فالجدل المفتعل مابين النص والعقل لا يصل إليه إلا من نقص إيمانه أما المسلم المحصن فإن العقل والنص لا يتقاطعان بل يسيران بشكل متوازي لا ينفكان عن بعضهما. و هنا يجب التفريق بين (النظرية العلمية) و(الحقيقة العلمية) فالأولى غير قطعية بخلاف الثانية.  فإن تعارضت النظرية مع النص الشرعي القطعي فالحكم للثاني ولم يحدث ولن يحدث أن تتقاطع الحقيقة العلمية مع النص القطعي.
ومن البديهي أن مجموعة من الغيبيات التي أخبرنا الله تعالى بها في القرآن أو جاءت بها السنة المطهرة و جميع أحوال الآخرة لا تكيف أبداً ولا تقاس البتة بأحوال الدنيا، فلا يعلم حقيقة الميزان مثلا و لا سجود الكون لله عز وجل إلا الملك الرحمن، وإلا فهل تستطيع أن تتصور ميزانا يوضع فى يوم القيامة يقول فيه المصطفى  : (لو وزنت فيه السموات والأرض لوزنها) ، و يقول الله عز وجل: (و لله يسجد من في السموات طوعا و كرها)...
فمن أعمل عقله وصل إلى بينات هذا الدين الحنيف لا شك في ذلك ولا ريب. فكتاب الله العزيز اهتمّ اهتماماً بالغاً بالعقل، وربط قضية الانفتاح على الرسالة وأهدافها بالقوى العقلية التي حباها الله تعالى للإنسان:
 (إنّ في خلقِ السَّمواتِ والأَرضِ واختلافِ اللّيلِ والنَّهارِ لآيات لاُولي الألباب ) .
(أَفَلَمْ يَسيرُوا في الأرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يعقِلونَ بها، أو آذانٌ يَسمَعُون بِها فإنَّها لا تَعمى الأبصارُ ولكن تعمى القُلوبُ الَّتي فى الصُّدور ) .
 لكن حينما يعدل الإنسان عن إعمال عقله سيسيطر عليه الهوى، ولذلك وصف القرآن الكريم المشركين الذين انحازوا عن الطريق السوية بأنهم أتباع هوى (إن يتبعون إلا أهواءهم) وصاحب الهوى لم يعمل عقله، ولو أعمل لوصل إلى بينات الدين الحنيف، ومن هنا يقول الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) . فالإسلام دين العقل والعقل يأبى إلا أن يكون مسلماً، لكنه الجحود و حب الدنيا هو ما يعمي البصيرة عن إدراك سمو تعاليم هذه الديانة السمحة حيث قال تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون).


في19,تشرين الأول,2006  -  11:48 مساءً, علي الوكيلي كتبها ...

لقد كان الجاهليون لا يستعملون عقلهم فعبدوا أصناما صنعوها بأيديهم فدعاهم الإسلام إلى استعمال العقل للتفريق بين خالق مصنوع وخالق صانع، ولم يكسب الإسلام ملايين المعتنقين إلا بالعقل، الذي لا تعمل به حتى الديانات السماوية الأخرى التي تجعل لله إبنا. لكن سوء التأويل يجعل أصحاب النيات السيئة يركبون على ضعف العقل أمام بعض الظواهر المحرمة عليه، ليوسعوا مساحة التحريم ويتعاملوا مع المسلم كأنه قاصر لايفهم عليه الطاعة أما السؤال فبدعة. تحية لك على هذا الإدراج القيم أخي سعيد.

في20,تشرين الأول,2006  -  10:10 مساءً, الــواثق بـاللـه كتبها ...

أحيي فيك هذا الطرح العميق اخي سعيد ... بارك الله فيك و جعله في ميزان حسناتك

في21,تشرين الأول,2006  -  12:08 مساءً, الصحفي محمد عقل كتبها ...

سعيد دخمي /لك مني كل التحية والتقدير يا ابن " الموحدين" المخلصين ... يا ابن بوابة الفتح المبين في الاندلس... ويا سليل طارق بن زياد وكل الابطال الذين احرقوا سفن العبور ليواجهوا عدو متسلط مبين....

في21,تشرين الأول,2006  -  06:32 مساءً, amal salami كتبها ...

أخي سعيد تشرفت لزيارتك مدونتي .....موضوعاتك جادة ومهمة وأعجبني طرحك لموضوع الحجاب لانك اوضحت الصورة بشكل شمولي .......كذلك هذا الموضوع مهم وللأسف لم يلقى العناية التي يستحقها من عموم الناس رغم أنه يمس ديننا ونبينا ...صلى الله وسلم على نبينا محمد.........

في22,تشرين الأول,2006  -  10:39 صباحاً, فريق عمل مدونة محمد رسول الله كتبها ...

عيدكم مبارك

و كل عام و انتم بخير

في22,تشرين الأول,2006  -  04:30 مساءً, مجهول كتبها ...

أخي سعيد:
أولا، لا وجود لفريق فكري على الصعيد العربي يسمى : "علمانيين"، هذا تشريف عريض لا يستحقه:"المتعلمنون"، فالعلمانية نمط فكري انبلج مع الفترة الأنوارية، و بسبب تبادل البعثات الطلابية العلمية بين الدول العربية و الغربيين استورد جزء منهم أركان العقل العلماني ليجد له أرضيات عمل على المستوى العربي دون اعتبار المحددات المعتقدية و التاريخية.
أما الصراع العقلي بين الاسلاميين و منتهجي قطاعات الفكر الغربي فلا يمكن أن يتخذ شكلا حواريا حضاريا بناءا و هادفا، فقد كان الهدف الاستراتيجي من اقتباس الليبرالية و العلمانية و الشيوعية و الاشتراكية المساهمة في تحريك أو اعاقة الحركة السياسية العربية.فالمنافسة موصومة بالطابع السياسي المطبق، منذ أن خرت الانظمة العربية صريعة أمام النفوذ الأمريكي و الصهيوني و الأوروبي.
و كنتيجة بديهية، فان الصلابة و الفعالية المنطقيتين للاسلام محصنتان و لا مجال ليؤثر عليهما المنهج العربي المتغربن و المتعلمن.المحاجة المنطقية يجب أن توظف لدمغ و دحض الهجوم الغربي المسعور ضد الاسلام و رموزه المركزيين.
الصديق سعيد: لو أعلمتني بنيتك نشر هذا الادراج الممتاز و المحوري، لكنا حضرنا ادراجا موسعا على شاكلة عمل تدويني مشترك.
هشام برجاوي.www.maktoobblog.com/hicham0077

في24,تشرين الأول,2006  -  07:17 مساءً, مجهول كتبها ...

شكرا أخي على تواصلك الدائم معي و مع مواضيع مدونتي، أشاطرك أخي الرأي بأن العالم العربي يعع بالآلاف من الوصوليين و الإنتهازيين و الذين يدعون العقلانية و الحداثة و ما إلى ذلك من الشعارات الجوفاء و التي ما عادت تنطلي على أحد..
بالنسبة للتحضير لتدونات مشتركة ليس عندي أي اعتراض على ذلك، يمكنك الإتصال بي بخصوص أي مووع تود أن نتوسع يه سوية..
تحياتي أخي هشام، و كل عام و أنت بأل خير.


نشكركم على تجاوبكم معنا، و في انتظار زيارتكم القادمة لنا تقبلوا فائق احترامنا